عبد الوهاب الشعراني

551

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وفي رواية لابن حبان وابن خزيمة في « صحيحه » : « هو أن يكون له شبع يوم وليلة » . قلت : وهذه الأحاديث وما شاكلها إنما خرجت مخرج الزجر والتنفير عن ترك الكسب ولها تحقيق آخر عند العلماء واللّه أعلم . وروى الشيخان مرفوعا : « اليد العليا خير من اليد السّفلى » . قال مالك وغيره : والعليا هي المنفقة . وقال الخطابي وغيره : والأشبه أن المراد بالعليا هي المتعففة عن سؤال الناس لأن ذلك مأخوذ من علاء المجد والكرم لا من علو المكان ، وسياق الحديث يقتضيه فإنه صلى اللّه عليه وسلم قال ذلك يحض على الصدقة والتعفف عن المسألة واللّه أعلم . وروى الطبراني مرفوعا بإسناد حسن : « شرف المؤمن قيام اللّيل وعزّه غناه عن النّاس » . وروى مسلم مرفوعا : « اللّهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن نفس لا تشبع » . وروى مسلم وغيره : « ومن يستعفف يعفّه اللّه » واللّه أعلم . [ النهي عن سؤال الحق تعالى تكثرا ما دام عندنا غداء أو عشاء : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نسأل الحق تعالى تكثرا وما دام عندنا غداء وعشاء أو قيمة ما نشتري به لا نسأله تعالى زائدا ، وكذلك حكمنا في ملبوسنا وأدمنا وغير ذلك لا نسأله تعالى شيئا إلا وقت الحاجة في ذلك الشيء وذلك لنكون متوجهين إلى اللّه تعالى كل يوم وليلة إظهارا للفاقة والفقر ، لكون الحق تعالى يحب منا ذلك . ولا تصل يا أخي إلى هذا المقام إلا بعد سلوك على يد شيخ صادق يسير بك في الدرجات واليقين حتى يجعلك لا تهتم بأمر الرزق ، ولا تخاف من جهة ذنوبك أنه يضيعك أبدا ، ويتساوى عندك كون الدنيا في خزانتك وكونها في خزانة غيرك على حد سواء وهناك تصح لك القناعة ، وإن لم تسلك كما ذكرنا فمن لازمك الشح والهلع وعدم القناعة غالبا واللّه أعلم . روى مسلم مرفوعا : « قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنّعه اللّه بما آتاه » .